U3F1ZWV6ZTIzNTU5OTQyOTc0Njc4X0ZyZWUxNDg2MzY0OTI3Njg4Ng==
اعلان اسفل القائمة الرئيسية

المدرسة الواقعية

المدرسة الواقعية في ضوء ادارة الدولة 

المدرسة في ضوء ادارة الدولة

المحتويات : 

1. تمهيد . 
2. فلاسفة المدرسة الواقعية . 
   - عبد الرحمن ابن خلدون . 
   - أرسطو . 
   - مكيافيللي . 
   - توماس هوبز . 
   - جون لوك . 
   - جون مازاران . 
3. خصائص المدرسة الواقعية وحكامها . 
4. مقارنة بين المدرستين الواقعية والمثالية . 

تمهيد 

إن الحديث عن المدرسة الواقعية يدفعنا إلى التعريج على الدين الإسلامي الحنيف الذي جاء به النبي محمد صلى الله عليه وسلم -، فهو دين كامل وشامل، ويتعامل مع الأمور بواقعية، ولكنها واقعية قيمية منضبطة بضوابط محددة. 

 فلم يعرف الإسلام انفصال السلطتين الدينية والزمنية، والصراع بينهما، فالخلافة تمثل الجانب السياسي، وتعني الإمامة، وهي سلطة عامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن الرسول، ولم يعرف الإسلام سلطة كهنوتية مسلسلة، أو سلطة الحل والربط في الأرض والسماء (جرجس، 1979: 180). 

وقد جعل الإسلام الشورى أساسا من أسس الدولة؛ حيث يقول تعالى: {وأمرهم شوری بينهم} [الشوری:38].

 كما أن الشورى في الإسلام جزء لا يتجزأ من أسلوب الحكم، حيث يقول الله سبحانه وتعالى للنبي -صلى الله عليه وسلم - : {وشاورهم في الأمر} [آل عمران:159]، ويقول رسولنا الكريم محمد صلی الله عليه وسلم - لأبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-، وكانا أقرب مستشاريه: { لو اجتمعنا في مشورة ما خالفتكما} (ابن حنبل، 1363ه :150). . 

وكانت البيعة معروفة في عصر الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فقد وردت في القرآن آية تنص صراحة على مبايعة الرسول، عندما يقول الحق تبارك وتعالى: {إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد اللي فوق أيديهم } [الفتح:10].

 ثم عرفت الانتخابات بعد ذلك للخليفة؛ حيث وصلت الخلافة في عهد أمير المؤمنين الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه- إلى قلب الدولة الرومانية في مصر وسوريا، ويتميز نظام الخلافة في الإسلام بأنه يعني خلافة النبوة في السلطة السياسية.

 فالخليفة لا يتولى فقط سياسة الدنيا ؛ بل أيضا حراسة الدين، ولا يستمد سلطته من الله؛ بل يستمدها من الرضا الشعبي معبر عنه بالبيعة، وأن الخليفة غير معصوم، وبما أنه غير معصوم فهو خاضع للمساءلة والرقابة على ممارسة السلطة، فهو يخضع للشورى من أجل الحل والعقد، ويمكن عزله إذا أخل بمهام وظيفته، وتعيين آخر بدلا منه" (أبو ريان، 1980: 124). 

ولتوضيح ما سبق سنتناول في هذا البحث  فلاسفة المدرسة الواقعية وخصائصها .

فلاسفة المدرسة الواقعية وخصائصها 

مقدمة : 

إن المتفحص في ثقافة المدرستين المثالية والواقعية يجد بينهما قواسم مشتركة، إلا أن المدرسة الأكثر تطبيق على مدى العصور هي المدرسة الواقعية التي تحاكي حاجات الناس، ومتغيراتهم السلوكية التي تؤثر بشكل كبير على أمن البلاد واستقرارها في حالة نشأة النظام السياسي، أو في هرمه.

 ومن أشهر منظري المدرسة الواقعية ابن خلدون، ومكيافيللي، وأرسطو، وجول مازاران، وجان جاك روسو، ويؤكده ابن خلدون في مقدمته فيقول: 

"الدولة تحتاج إلى السيف والقلم في بداية نشأتها، ويكون احتياجها للسيف أحوج منه للقلم، فإذا استقرت صار احتياجها للسيف والقلم متساويين، فإذا استوت صار احتياجها للقلم أحوج منه للسيف، فإذا هرمت عاد احتياجها للسيف أحوج منه للقلم" (ابن خلدون، 2004: 318). 


ولتوضيح ما سبق سنقوم بتقسيم البحث  إلى ثلاثة بنود : حيث سنتناول في البند الأول فلاسفة المدرسة الواقعية، بينما سنتناول في البند الثاني  خصائص المدرسة الواقعية وحكامها، بينما سنتناول في البند الثالث مقارنة بين المدرسة المثالية والمدرسة الواقعية. 

فلاسفة المدرسة الواقعية 

إن المدرسة الواقعية، التي تزعمها ابن خلدون، ومكيافيللي، وجول مازاران، قد تعاملت مع الواقع السياسي بطريقة منفصلة عن البعد المثالي، واعتمدت على تراث حضاري قديم في إدارة الدول والممالك، وقد أشار منظرو المدرسة الواقعية إلى أن حقائق السياسة لا يصنعها الحنين، ولا يأتي بها الوهم، إنما هي حصيلة تفاعلي مستمر بين الحقائق المادية الملموسة، وبين الحقائق المعنوية المحسوسة، وهذه بمجملها تشكل مجموعة المفاهيم الأساسية للسياسة" (أغلو، 2010: 33) . 

ومن خلال مطالعة للعديد من أفكار فلاسفة المدرسة الواقعية، خلصنا إلى تحديد عدة نماذج يمكن أن نعتبرهم مفكرين ومنظرين للمدرسة الواقعية، وأشهرهم ستة، وهم: 

1- عبد الرحمن بن خلدون. 
2- أرسطو. 
3- مكيافيللي. 
4- توماس هوبز. 
5- جون لوك. 
6- جول مازاران. 

وفيما يأتي عرض لأفكار هؤلاء الفلاسفة الستة: 

عبد الرحمن ابن خلدون 

بدأ ابن خلدون حياته العامة بوظيفة متواضعة، وهي كاتب في ديوان وزير الدولة بالمغرب، ثم انتقل إلى المغرب الأقصى لوجود العلماء هناك، وطمعا في منصب أعلى، فأصبح كاتبة للسلطان، بل أصبح من الحاشية المقربين.

 وفي هذه الفترة انغمس في السياسة وتقلباتها، وكانت طموحاته كبيرة، فما زال يتنقل بين الدول حتى وصل إلى شيء مما يبتغيه عندما عين حاجب (رئيس وزراء لأمير (بجاية)؛ إلا أنه كان يدرس في جامعها الكبير، وبعد تركه لهذا المنصب استمر في ممارسة الأعمال الإدارية والسياسية، ولم يتركها إلا عام (776هـ) حين قرر أن يعتزل السياسة، ويتفرغ للعلم (العبدة، 2009: 39-40). 

وقد حث ابن خلدون إلى تونس مسقط رأسه، فبلغها سنة (780هـ) فأكرمه سلطانها، واختصه بأسراره، ثم استأذن السلطان في السفر إلى الإسكندرية، فبلغها سنة (784هـ) وانتقل منها إلى القاهرة، وجلس للتدريس في الأزهر، ووصل خبره لسلطان مصر آنذاك، وهو (برقوق العظيم)؛ فقربه وأكرمه، وولاه قضاء المالكية سنة (786هـ) . 

 فقام بعمل القضاء خير قيام، واشتهر أمره عالم، وقاضية، ومدرسة، ومؤرخ، وأديبة، ثم استقال من منصبه، وانقطع للتدريس والتأليف حتى توفي سنة (808هـ)، ومن أعظم مؤلفاته كتاب مقدمة ابن خلدون في علم الإجتماع (جمعة ، 2012 : 227 ) . 

وقد اعتبر ابن خلدون الدولة ظاهرة اجتماعية، فالحياة وكنت خطرة من الإنسان نفسه، وهو يصدر عما تنطوي عليه نفسه من ميل إلى العدوان على أخيه الإنسان، ومن ثم هداه ما ركب فيه من فكر وسياسة؛ من حيث هو إنسان إلى أن يخترع الدولة؛ ليكبح بها جماح عدوانه ( بدوي، 1966: 53). 

وتتميز الدولة دون سائر النظم الاجتماعية الأخرى بالقهر والغلبة والإكراه، وهو إكراه لا الوجه الإكراه، وإنما هو إكراه لوجه المصلحة العامة، ومن ثم لا يفصل ابن خلدون بين الدولة والأخلاق؛ بل اعتبر الأخلاق هي الهادي للسياسة، وذهب إلى القول: بأن الأخلاق في سياسة الدولة تكسبها قوة، وتتبعث السلطة من القوة، وهي تتجسد بالعصبية والشوكة. 

 حيث تكون لدى الجماعات التي تتصف بالشجاعة والترابط، والوحدة والصبر على الشدائد، وتتحقق هذه الصفات عند الجماعة التي تعيش على البداوة والتقشف، ويتمثل ذلك في الغزوات الكبرى التي حدثت في التاريخ على يد الجماعة التي تعيش على البداوة، أو شبه البداوة، وربط ابن خلدون بين الدين وقوة الدولة وسعتها، حيث يعتبر أن الدعوة الدينية تزيد الدولة في أصلها قوة على العصبية، وأن الدولة العامة الاستيلاء العظيمة الملك أصلها الدين (رشوان، 1989: 91). 

ولأن الدولة تخضع للتطور؛ فلا بد أن تبدأ، ثم تنمو، ثم تزدهر، وبعد ذلك تأخذ في الاضمحلال، وقد حدد الأطوار التي تمر بها الدولة  (رشوان، 2007: 96). 

ان حالات الدولة وأطوارها لا تعدو في الغالب خمسة أطوار، وهي كما يلي:
( ابن خلدون، 2004: ج1/ 343-344) 

الطور الأول: طور الظفر بالغية، والاستيلاء على الملك، وانتزاعه من يد الدولة السابقة، والعمل  على تدعيمه. 

الطور الثاني: طور الاستبداد، والانفراد بالسلطة، واللجوء إلى اتخاذ الموظفين من الموالي، والاعتماد على جنود الارتزاق، ويكون صاحب الدولة في هذا الطور معنية باصطناع الرجال، واتخاذ الموالي والصنائع، والاستكثار من ذلك. 

الطور الثالث: طور الفراغ والدعة؛ لتحصیل ثمرات الملك؛ مما تنزع طباع البشر إليه من تحصيل المال، وتخليد الآثار، وبعد الصيت. 

الطور الرابع: طور القناعة والمسالمة، وفيها يكون رئيس الدولة قانعا بما ورثه عن آبائه، ويكتفي باقتفاء آثارهم وسيرهم، مقلدة للماضين من سلفه، فيتبع آثارهم حذو النعل بالنعل، ويقتفي طرقهم بأحسن مناهج الاقتداء، ويرى في الخروج عن تقليدهم فساد أمره. 

الطور الخامس: طور الإسراف والتبذير، ويكون صاحب الدولة في هذا الطور خاضعة لنزواته وشهواته، وسرعان ما تصاب الدولة بالهرم الذي يؤدي إلى انحلالها وفنائها. 

ويضيف ابن خلدون في قضية التفاوت بين مراتب السيف والقلم، فيقول : 

" اعلم أن السيف والقلم كلاهما آلة لصاحب الدولة، يستعين بها على أمره، إلا أن الحاجة في أول الدولة إلى السيف ما دام أهلها في تمهيد أمرهم أشد من الحاجة إلى القلم، لأن القلم في تلك الحال خادم فقط منقذ للحكم السلطاني، والسيف شريك في المعونة، وكذلك في أخر الدولة؛ حيث تضعف عصبيتها، ويقل أهلها بما ينالهم من الهرم، فتحتاج الدولة إلى الاستظهار بأرباب السيوف، وتقوى الحاجة إليهم في حماية الدولة، والمدافعة عنها، كما كان الشأن في أول الأمر، وأما في وسط الدولة فيستغني صاحبها بعض الشيء عن السيف؛ لأنه قد تمهد أمره، ولم يبق همه إلا في تحصيل ثمرات الملك من الجباية، والضبط، ومباهاة الدول، وتنفيذ الأحكام" (ابن خلدون، 2004:ج1/ 442). 

ثانيا: أرسطو 

يعد أرسطو (384-322 ق.م)، أحد أعظم الفلاسفة اليونانيين، وقد تلقى دراسته الأولى على يد أفلاطون، وخاض بحورة من الثقافات والمعارف المتنوعة، ومع أنه تأثر كثيرا بالمبادئ الفلسفية الأفلاطونية، إلا أنه عاد واختلف جذرية في كثير من آرائه عن الآراء الأفلاطونية التي وردت في كتاب (الجمهورية)، وقد طؤر أرسطو بعض نظرياته على الخصوص، بناء على نقد الأفكار الأفلاطونية ومعارضتها (أحمد، 2010: 73) 

وتعتبر الدولة عند أرسطو هي أحد المخلوقات الطبيعية، والإنسان مخلوق سیاسي، والدولة ضرورية لوجود الإنسان بصورة مرضية، وتتمثل الحكومات الصالحة في نظر أرسطو في النظام الملكي؛ حيث يكون الحكم فردية، والنظام أرستقراطية، ويكون الحكم فيه في أيدي القلة المتميزة بميزة المولد. 

ويكون الحكم في النظام الدستوري للأكثرية، أما الحكومات الفاسدة فتشمل النظام الاستبدادي، أو حكم الطغيان؛ حيث يكون الحاكم فردة يستغل الحكم لمصلحته الخاصة، والنظام الملكي تكون السلطة فيه في يد أقلية هم الأغنياء الذين يستغلون الحكم لمصلحتهم الخاصة، أما الديمقراطية فتكون السلطة فيها للأغلبية من الفقراء الذين يستغلون الحكم لمصلحتهم ضد الأغنياء، وكان أرسطو يعني بكلمة الديمقراطية حكم الرعاع (الحمقى) .(Leacock,1944: 112 ) 

ويرى أرسطو أن هذا التصنيف يتسم بالديناميكية، فكل نوع من أنواع الحكومات يتقلب إلى النوع الآخر، وتبدأ دورة الحكم بالنظام الملكي الذي يتولى فيه الحكم ملك يتميز بالحكمة والفضيلة، وعندما ينحرف الملك، ويعمل لمصلحته الشخصية، يتحول حكمه إلى الاستبداد والطغيان. 

وكرد فعل للحكم الاستبدادي الفاسد ينشأ الحكم الأرستقراطي، فتقوم أقلية بالاستيلاء على السلطة، وتمارس الحكم من أجل الصالح العام، ويتحول هذا النظام إلى (حكم الأقلية) عندما تأخذ هذه الأقلية بالعمل لمصلحتها الخاصة، وعندئذ ينقلب الأمر إلى قيام الأكثرية بانتزاع السلطة من هذه الأقلية الفاسدة، وتقيم الحكم الدستوري، وهو حكم صالح يستهدف مصلحة الجميع.

وبمرور الوقت تتحول هذه الأكثرية إلى الغوغائية، أو الديمقراطية، فتعمل لمصلحتها ضد الأغنياء، مما يشير إلى فساد الحكم، ثم يقوم بعد ذلك فرد قوي ينصب نفسه ملكة، ويعيد الأمور إلى نصابها، وبذلك تبدأ دورة جديدة من دورات الحكم (رشوان، 2007: 88). 

ويضيف أرسطو أن هناك مجموعة من الأسباب التي تهدد وجود الدولة، وتؤدي إلى اشتعال الثورات فيها، وهي خمسة كما يلي:
(أحمد، 2010: 89) 

1. إهانة الحاكم لمواطنيه الشرفاء. 

2. إهمال الحاكم لتدبير أمور الدولة

3. النمو غير المتوازن لأرجاء الدولة. 

4. تفوق نفوذ بعض المواطنين بشكل غير طبيعي. 

5. أحيانا يكون الخوف سببة للثورة، وذلك عندما يبادر بالثورة بعض المواطنين المهتدين من قبل  الحاكم؛ خشية أن يقع عليهم عقابه. 

ويعتبر أرسطو أن أفضل النظم هو نظام الدولة الدستورية، وقامتها الطبقة المتوسطة، التي تكون أوسع وأقوى من أي من الطبقتين شديدة الثراء، وشديدة الفقر؛ مما يؤدي إلى إحداث نوع من التوازن والاستقرار.

 ومن هنا دعا أرسطو إلى نظام وسط بين  حكم الأقلية والديمقراطية، يكون فيه الحكم في أيدي الطبقة المتوسطة التي يتميز أفرادها بالاعتدال والقدرة على تولي شئون الحكم من أجل مصلحة الجميع، وقد أطلق على هذه الطبقة اسم الدستورية، وعلى النظام وصف الحكم الدستوري، ويرى أرسطو أن السلطة في هذا النظام ليست للحاكم، وإنما للقانون .
(رشوان، 89 :2007 ) 

إن الدولة الدستورية المستقرة عند أرسطو هي تلك الدولة التي ترعى العرف رعاية تامة، وتجعل من القانون السيد الأعلى للمجتمع، ولا تضع مكان القانون ومقامه لا ملكا فيلسوفة، ولا غير فيلسوف" (أحمد، 2010: 79). 

ثالثا: مكيافيللي 

عاش مكيافيللي بين عامي (1463م-1527م) في مقاطعة فلورنسا التي كانت تمثل إحدى جمهوريات إيطاليا في ذلك الوقت، ورأى في شبابه تشتت شمل البلاد الإيطالية، وهوانها على الإمبراطوريات النامية، ولم تفلح في عهده كل الجهود المبذولة لإنهاض الإيطاليين سياسية؛ لأن مفهومهم للدولة لم يكن قومية؛ بل ظل قائمة على روح الدين الذي فرض توجيه الدولة جميعة الحرب المسلمين، وقهر الخطر التركي على الممالك النصرانية.

 وقد رأى مكيافيللى أن تلك العاطفة الدينية الجياشة قد حالت دون نمو العاطفة القومية الصحيحة التي كان يستشعرها الألمان والإنجليز وغيرهم من الشعوب التي انتبهت للفوارق القومية المهمة بينها (أحمد، 2010: 133). 

وقد أصبح مكيافيللي هو الشخصية الرئيسية والمؤسسين للتنظير السياسي الواقعي، وهو صاحب مبدأ (الغاية تبرر الوسيلة)، وأشهر كتبه على الإطلاق كتاب (الأمير) الذي قدم فيه تعليمات لحكام فلورنسا، حيث تشير الكتاب بعد موته، وأيد فيه فكرة أن ما هو مفيد فهو ضروري، والتي كانت عبارة عن صورة مبكرة للنفعية والواقعية السياسية (الحسن، 2010: 511). 

وحدد مكيافيللي الدولة بأنها جميع القوى التي من شأنها أن تمارس سلطة على الأفراد، وتسمى دولة، واعتقد أن الأشياء الوحيدة التي يأملها الناس، وتحد تصرفاتهم هي السلطة والقوة، والمجد والرفاهية، وإن تهم الناس إلى هذه الأشياء لا يمكن إشباعه؛ وذلك لأنهم متقلبون ومخادعون، ولا يعنيهم إلا تجب المخاطر، والرغبة الشديدة في تحقيق الربح (رشوان، 2006: 97  ) . 

ويعتقد مكيافيللي أن قيام الدولة، وثباتها، إنما يكون بالجند، واتخاد أسباب القوة، "ينبغي للأمير أن لا تكون له غاية أو فكرة سوى الحرب، ونظامها، وطرق تنظيمها، وألا يتخذ لدراسته موضوع آخر سواها، فهذا هو الف الوحيد اللازم لمن يتولى القيادة، فهو فن له من المزايا ما يكفي للمحافظة على هؤلاء الذين ولدوا أمراء، والإبقاء عليهم في مناصبهم.

 كما أنه يساعد الرجال العاديين على بلوغ مرتبة الإمارة، ومن ناحية أخرى يمكننا أن نرى الأمراء يفقدون ولاياتهم عندما يفكرون في مظاهر الترف أكثر من تفكيرهم في الأسلحة" (مؤمن، 2004: 74). 

وقد حدد مكيافيللي الإمارات، وأنواعها، وكيفية كسبها، ووسائل المحافظة عليها، وأسباب فقدها، إما ملكية أو جمهورية، وكانت مشكلته هي اكتشاف نظام الحكم الذي يمكن أن ينتج عنه وفرة في هذه القيم، على أن يبقى نظام مستقرة، ولذلك فهو نظام يختلف عن النظم الخيالية عند أفلاطون، ولهذا استبعد مكيافيللي كل الاعتبارات الخلوتية، والقواعد الإلهية، وجعل القوى الطبيعية وحدها هي التي تحد المصائر السياسية للناس. 

وبناء على ما سبق؛ فإن الحكم الذي يكتب له الاستقرار هو الذي يمكنه مواجهة الطبيعة البشرية بما تنطوي عليه من دوافع الأثرة، والأنانية، والرغبة في السلطة، وهو ما يفرض على الحاكم أن يبدأ عند تكوين دولته باستخدام كل أنواع العنف والقسوة" (رشوان، 2006: 98). 

كما يرى أن الوسيلة الفضلى هي إيقاع الهيبة والرعب في قلوب الرعية، وقد جعل ذلك في طريق البحث، فقال :

 " أيهما أنفع للأمير: يحث أكثر مما يخشى، أم يهاب أكثر مما يح؟ فالجواب أنه ينبغي له أن يكون محبوبة مهيبة، وحيث يصعب الجمع بين الحالتين؛ فإذا احتاج لإحداهما فالأفضل أن يهاب؛ إذ يحق القول عن الناس عامة أنهم ناكروا الجميل، سريعو التحول، مختلفو الطبائع والغرائز، ميالون لاتقاء الأخطار، ومحبون للكسب، ويرى أن الأمير يجب أن يقود جيشه، وأن يعرف بالقسوة؛ لأنه بدونها لا يستطيع أن يحافظ على الحاد جيشه وطاعته" (جمعة: 2012، 245-244 ) . 

وأشار مكيافيللي إلى ما ينبغي أن يكون عليه مسلك الأمير إزاء رعيته، وقبل أصدقائه وأعدائه من الأمراء والملوك، "إن الأمير الجديد يعيش في جو من المخاطر. 

 فمخاطر من الداخل من سلوك رعيته، ومخاطر من الخارج من الدول المجاورة، وعليه ينبغي أن لا يكون الأمير طيبة على الدوام، وإنما أن يجيد كيف يكون طيبا، وكيف لا يكون كذلك؛ وفقا لما تقتضيه الضرورة" (رشوان، 2006: 98). 

وقد أوضح مكيافيللي كيفية تصرف الأمير لحفظ سيادته، فقال: "ينبغي للأمير الذي يريد أن يحفظ عرشه أن يتعلم كيف يقلل من طيبته، وكيف يستعمل الخير، أو ضده في الأوقات والأحوال المناسبة" (جمعة: 2012، 245). 

ويجب عليه أن لا يخشی عار المعايب التي يصعب بدونها الاحتفاظ بالملك؛ لأن الإنسان إذا أمعن النظر رأى أن كثيرا من الأمور التي تظهر له على أنها فضائل قد تؤدي به إلى الخراب إذا اتبعها، وكثيرا ما يبدو كأنها من الرذائل قد يؤدي إلى الخير والسلامة" (مؤمن، 2004: 81 ). 

ويضيف مكيافيللي أن العبرة ليست بالتصرفات والوسائل، وإنما العبرة بالنتائج، "فإذا أفلح الأمير في تحقيق الغاية مهما كانت الوسيلة، واحتفظ بدولته؛ فإن الناس جميعا سرعان ما يؤيدون هذه الوسائل، ويرونها شريفة، ولو كانت غير مشروعة" (رشوان، 2006: 99). 

وبحث مكيافيللي في الكرم والبخل بالنظر إلى الأمراء، فكان حكمه، "لا بد للأمير ألا يعبأ إذا ما وصف بالبخل، إذا أراد أ يفقد رعيته، وأن يكون قادرة على حماية نفسه، وألا يصبح حقيرة وفقيرة، وألا يضطر إلى أن يصبح جشعة؛ حيث إن الشح رذيلة تمكنه من الحكم" (مؤمن، 2004: 83 ) . 

كما أضاف مكيافيللي في كيفية وفاء الأمراء، أي إذا عاهد الأمير أحدة على أمر؛ فهل يجب عليه الوفاء به؟ فقال :" لا يخفى على أحد ما يلحق بالأمراء من الثناء إذا اشتهروا بحفظ الوعود، ومراعاة العهود.

 ولكن تجارب زماننا هذا دلت على أن الأمراء الذين لم يراعوا العهود قاموا  بأعمال كبيرة، وتمكنوا من تبديد أوهام الناس بمكرهم، وتغلبوا في نهاية الأمر علي الامراء الذين اتخذوا الأمانة عادة، والوفاء أساسا لحياتهم" (جمعة: 2012، 245). 

ثم فصل الكلام في ذلك، وقال: 

إن الأمير ينبغي له أن تكون فيه صفتا الأسد والثعلب، فيفتك كالأسد، ويحتال كالثعلب، إلى أن قال: "لذا ينبغي للأمير أن يكون ثعلبة؛ ليتقي الحفائر والحبائل، وأسد ليرهب الذئاب، أما من يريد أن يكون أسدة فقط؛ فلا أمل له في النجاة؛ لأجل هذا لا ينبغي للأمير أن يحفظ العهود إذا كانت ضد مصلحته، أو ما دامت الأسباب التي دعت للوعد قد انقضى عهدها، إذا كان الناس كلهم أخيارة؛ فإن القاعدة التي ذكرتها تكون لا شك سيئة، ولكنهم أشرار، ولن يحفظوا لك عهدة، فلست مضطرة لحفظ عهودهم" (مؤمن، 2004: 90). 

رابعا : توماس هویز 

عاش توماس هوبز فيما بين عامي (1588-1676م) في إنجلترا، ونال تعليمه بجامعة أوكسفورد، وسافر إلى عدة أقطار أوروبية، حيث عاش برهة من الزمن في فرنسا خلال حروبها الأهلية. 

وفي عصره اشتعلت نيران الحروب الدينية والأهلية في كثير من أنحاء أوروبا، وخاصة في وطنه إنجلترا، وزعزعت أركان المجتمع الإنجليزي، وأضعفت بنيانه السياسي والاقتصادي، وأنذرت بمستقبل وخيم يهدد نهضة البلاد.

هذه الخلفية السياسية المزرية كانت أكثر ما أثر في فلسفة هوبز، ووجهها نحو تشييد نظام الحكم المطلق الذي شبهه بوحشية (التنين)، وهو العنوان الذي اختاره لكتابه الضخم الذي صدر خلال حروب الدستور، وكتبه ثلاث مرات، وغير كثيرا من تفاصيله وفق آثار الأحداث السياسية المتصاعدة في عصره (أحمد، 2010: 149). 

إن موضوع القوة هو محور فلسفة هوبز، فقد انتهى إلى أن القوة مطلب دائم متجدد لبني الإنسان؛ إذ يسعون بفعل غريزة حفظ الذات نحو اكتساب المزيد من أقدار القوة على الدوام.

 فقد عرف القوة بأنها: "قدرة الإنسان على تحقيق مصالحه، واكتساب الخير لنفسه، وهناك نوعان من أنواع القوة؛ أولهما: القوة الأصلية: وتشمل العناصر الإيجابية في شخصية الإنسان؛ كالذكاء، والصحة، وغيرها من القدرات الطبيعية، وثانيهما: القوة الذرائعية: وتشمل الصفات المكتسبة للإنسان؛ كالغني، والهيبة، والسمعة الحسنة، وغير ذلك من الصفات التي تساعد على إحراز المزيد من أقدار القوة" (33 :1914,Hobnes). 

وقد أكد هوبز على ضرورة إبرام العقد الاجتماعي، أو الدستور الأسمی؛ لتسير حياة البشر سيرة سلمية قاصدة، وهنا صاغ أول قوانينه، وهو ما ادعى أنه بمنزلة (قانون الطبيعة الأساسي) . (أحمد، 2010: 154)

حين قال: 

" كل إنسان يجب أن يسعى للسلام؛ طالما أن هنالك أملا في الحصول عليه، وأما إذا عجز المرء عن الحصول على السلام؛ فعليه حينئ أن يبحث عن كل الميزات والفرص التي تورها له حالة الحرب؛ حتى يحقق مصالحة الشخصية وينميها، وألا يصغي لأي نداء يدعوه إلى الالتزام بما لا يلزم؛ مثل الأخلاق والفضائل" (67 :1914,Hobnes). 

وأما ما سماه هوبز بعنوان (قانون الطبيعة الثاني)؛ فقد نص فيه على أن الإنسان يجب أن يسعى إلى السلام؛ طالما سعى إليه الآخرون، وعليه أن يتخلى حينئير عن حقه في استخدام القوة، طالما أن الآخرين تخلوا عن هذا الحق، أما إذا أصر الآخرون على استصحاب حقهم في استخدام القوة؛ فعلى المرء أن يحتفظ بحقه في استخدامها أيضا، حتى لا يصبح فريسة سهلة هينة لغزو الآخرين (أحمد، 2010: 154). 

كما يرى هوبز في قضية العهود والمواثيق أنها لا قيمة لها من غير قوة، فيقول: " المواثيق بلا سيف هي مجرد كلمات، ولا قوة لها يمكن أن يؤمن بها الناس من شر الناس" .(Hobnes,1914: 68) 

ويضيف هوبز "لا يوجد مجال أيا كان الحكومة صغيرة محدودة السلطات، ومقيدة الصلاحيات، وإنما الحكومة الناجحة هي الحكومة الشاملة العاتية التي تحتكر كل مصادر القوة السياسية والقانونية، وتستخرها لبسط الأمن، وتضرب بيد من حديد على أيدي المخالفين، وفي اعتقاده؛ فإن الناس العقلاء لا بد سيختارون العيش تحت ظل السلطان، مهما كان رهيبة مرعبة؛ الأن نتائج الفوضى والعيش من دون وجود حكومة هي أفظع من ذلك بكثير" .(Hobnes, 1914:91) 

وقد أثر تركيز هوبز على قيمة القوة وإعلائه من شأنها، تأثيرة واضحة على مناهج العلوم السياسية الحديثة، وكانت إحدى إفرازات تلك النظرية ما يسمى بالمدرسة الواقعية في السياسة عموما، وفي العلاقات الدولية خصوصا؛ إذ أصبح مبدأ (القوة النسبية)، وأسس توزيع القوة، المادة الرئيسة للتحليل السياسي الحديث، ويمكن أن ينصب هوبز بجدارة أبا حقيقية لهذه المدرسة المعاصرة في حقل العلوم السياسية (أحمد، 2010: 163). 

خامسا: جون لوك 

ولد جون لوك (1632-1704) في مدينة (رنجتون) بإنجلترا، وتلقى تعليمه الجامعي بكلية كنيسة المسيح بأكسفورد، وهناك غرف بالتصدي لظاهرة التشير الديني السائد في المجتمع عامة، وفي الكلية بشكل خاص، وفكر في تكوين نسق سیاسي فلسفي؛ لمكافحة تلك الظاهرة.

 وفي عام 1667م، أصبح طبيبة، ثم وزيرا للعدل، وانخرط في العمل السياسي ممثلا لمصالح الطبقات التجارية والرأسمالية، وكانت له أدوار بارزة في كثير من الأحداث السياسية في المجتمع الإنجليزي في العقود الأخيرة من القرن السابع عشر (أحمد، 2010: 165). 

وقد اشترط لوك أن يتمتع المجتمع بحرياته، وأن تكون قيود الحكومة عليه بأدني ما يمكن وأن يتحدد حجم الحكومة، وعدد وظائفها ومهامها، والسلطات الممنوحة لها، بأضيق نطاق ممكن.

 ولذلك تكتفي الحكومة بسن القوانين النافعة لتسيير حياة البشر، وتقوم بتدريب القضاة الأكفاء؛ للفصل في منازعات الناس، وتشكل قوات الشرطة؛ لتطبيق تلك الأحكام (222 :1960 ,Lock)، ولا تخرج عن ذلك الحد إلا عند الضرورة القصوى؛ لأن المواطن لم يتخل للدولة عن حقوقه إلا من أجل أن تقوم بحماية تلك الحقوق، لا أن تحتكرها وتصادرها.

على القانون أن يسري مسراه، ويطبق على المواطنين والدولة على السواء، ولا يسمح للدولة أن تستغل قوتها لفعل شيء آخر المصلحة الشعب، كما أكد وبحسم- على أن اعتداء الدولة على ممتلكات رعاياها يلغي وجودها وشرعيتها من الأساس، ذلك أن بإمكان الدولة أن تجمع الضرائب من الناس بقدر ما يمكنها من أداء مهامها. 

إن حرص لوك الشديد على إقرار وحماية حرية المواطنين، وضمان حقوقهم في المملكة الخاصة، قد أدى به إلى تحذير الحكومات من مغبة التقصير في أداء واجباتها، أو الاتجاه إلى انتقاص حقوق رعاياها، وفي هذا الشأن فقد جوز لوك أن تثور الجماهير على الحكومات (أحمد، 173 -171 : 2010 ) 

سادسا: جول مازاران 

عمل مازاران مقررا للبعثة البابوية في مدينة (أفينيون الفرنسية قبل أن يتم تعيينه نائبا الرئيسها خلال فترة وجيزة من الزمن، ومن ثم كان سفيرة للحبر الأعظم في باريس، حصل مازاران على الجنسية الفرنسية بعدما عمل مع رئيس وزراء فرنسا ريشيليو على إحلال السلام بين إيطاليا وفرنسا؛ حيث نشأت علاقة وثيقة بين الرجلين، وقد كان مازاران معجبة بشخصية الكاردينال ريشيليو، وهذا الأخير كان معجبة بحنكة مازاران ومهارته (حسن، 2006: 40). 

كان ريشيليو الذي اختبر طاقات مازاران ومواهبه يدرك بحدسه العميق أن باستطاعته الاعتماد على هذا الشاب، صاحب الذهن الحيوي والجريء؛ ليساعده على حل المشاكل الكثيرة التي تواجهها فرنسا على الصعيدين الداخلي والخارجي؛ لذا فإنه نصح الملك لويس الثالث عشر باستخدام مازاران، وتعيينه بصفة وزير دولة في مجلسه، بعد وفاة ريشيليو أصبح مازاران رئيسا الوزراء فرنسا خلفا لريشيليو الذي نصح الملك بأن يعيينه مكانه؛ حيث قبل الملك تلك النصيحة (حسن، 2006: 42). 

وقد كتب مازاران وصاياه للسياسي الناجح، وهو في قمة السلطة، وفي خضم المعترك السياسي، وضمنها مفاهيمه العملية والمبسطة لكيفية ممارسة السلطة من قبل الحاكم، والبقاء فيها الأطول فترة ممكنة.

 وليس أدل على هذا المفهوم الواضح عند مازاران من قوله: "كي تحكم دولة بشكل جيد؛ فإن المطلوب ليس الكرم، أو طيبة القلب، أو النية الحسنة، وإنما المطلوب فکر ثاقب وخصب، لا يمكن معرفة مخططاته، ويعمل لصالحه بدل الاستسلام لعواطفه" ( حسن، 2006: 117 ).

كما يضيف مازاران أنه ينبغي على السياسي الناجح أن يدرك تمام الإدراك إمكاناته الشخصية وصفات النفسية؛ حتى يستطيع أن يتحكم بمشاعره، ويتعلم أن يراقب ويدقق أفعاله، وألا يتهاون في هذه المراقبة؛ لأنه عندما يتمعن في هذه الأفكار سوف يكون قادرة على أن يفكر بإمعان في المكان الذي هو فيه، والظروف المحيطة به، ومركزه ومركز هؤلاء الذين يتعامل معهم، وأن يوجه لنفسه النقد عند الضرورة.

 كما أن السياسي يلزمه؛ بل يجب عليه أن يكون على إدراك كامل بطبيعة المحيطين به، ولا يتأتى له ذلك إلا بناء على معلومات دقيقة، وكما أن على السياسي الحذر من الآخرين؛ فإن عليه الشك دائما بهم؛ لأن عناصر الشر تطغى دائما على عناصر الخير، وخاصة لدى أولئك الطامحين للحلول محله، وعليه معرفة كيفية إبعادهم عن طريقه، وتحويلهم من موقع الخصوم إلى موقع الأصدقاء؛ إذا أمكن ذلك (حسن، 2006: 119). 

ويؤكد مازاران على أن السياسي يجب أن يظهر في عيون شعبه عادلا، حتى وإن لم يكن كذلك، وعليه أن يدعم هذه الصورة بكل السبل الممكنة، مع الحرص على ألا تجلب له أعداء، أو تفك غري صداقة أو جلف، ولكن عليه استعمال الكياسة والفطنة في ذلك، والسياسي الناجح لا ينساق وراء نشوة انتصار حققه، فيندفع في قرارات انفعالية يغلفها الفخر والكبر، وإنما يعمل عقله وفكره السياسي ودهاءه في كل أموره، حتى يستطيع تحقيق النصر الكامل على عدوه؛ لأن القرارات الهوجاء قد تحول النصر إلى هزيمة، وعندما تكون منتصرة في معركة ما، لا تترد العدوك أسراه من ذوي المقام الرفيع؛ لأنه إذا ما خانك الحظ؛ فإن عدوك سيكون لديه أسباب وجيهة للمحافظة عليك؛ كي يسترد أسراه، بالإضافة إلى ذلك، احتفظ دائما بصلات دبلوماسية مع أركان عدوك وكبار رجاله (حسن، 2006: 120). 

خصائص المدرسة الواقعية، وحكامها : 

 أن المدرسة الواقعية هي التي تعتبر أن الدولة تتميز دون سائر النظم الاجتماعية الأخرى بالقهر والغلبة والإكراه، وهو إكراه لوجه المصلحة العامة، وعلى رجل الدولة أن يكون واقعية في إدارة الدولة، دون أن يتخلى عن الأخلاق والقيم، وينبغي عليه في بداية حكمه ونشأة الدولة أن يرسخ حكمه، حتى ولو بالقوة؛ إذا دعت الضرورة لذلك، ثم يبدأ بالتخفيف من استخدام القوة بالتدريج حتى يستتب له الأمر، فالدولة المستقرة هي التي ترعى العرف رعاية تامة، وتجعل من القانون السيد الأعلى للمجتمع، ولا تضع مكان القانون ومقامه لا ملكة فيلسوفة، ولا غير فيلسوف. 

وبعد الاطلاع على أفكار فلاسفة المدرسة الواقعية، خلصنا  إلى تحديد مجموعة من الخصائص التي تتمتع بها هذه المدرسة وفلاسفتها، وهو ما تم اعتماده لتصنيف مجموعة من الممارسات لبعض الحكام ما بين المثالية والواقعية، وهي ست كالآتي: 

1. اعتماد الحاكم للسيف أكثر من القلم عند إنشائه للدولة. وفي أواخر عهدها أيضا. 

2. تطبيق النظام الدستوري كنظام للحكم؛ كونه نظام وسط ما بين حكم الأقلية والديمقراطية، حيث يكون الحكم فيه للطبقة المتوسطة. 

3. الحاكم له فكر ثاقب وخصب، ولا يستسلم لعواطفه، ولا يتعامل بالنية الحسنة، وطيبة القلب على الدوام؛ بل وفقا لما تقتضيه الضرورة. 

4. الحاكم يدرك تمام الإدراك إمكاناته الشخصية وصفاته النفسية، ويتحكم بمشاعره، ويراقب ويدقق أفعاله بشكل جيد. 

5. رجل الدولة لديه إدراك كامل عن طبيعة المحيطين به، بناء على معلومات دقيقة. 

6. الحاكم يظهر في عيون شعبه عادلا، حتى وإن لم يكن كذلك، ويستطيع أن يدعم هذه الصورة بكل السبل الممكنة. 

مقارنة بين المدرستين المثالية والواقعية 

المدرسة الواقعية هي التي تعتبر أن الدولة تتميز دون سائر النظم الاجتماعية الأخرى بالقهر والغلبة والإكراه، وهو إكراه لوجه المصلحة العامة، وعلى رجل الدولة أن يكون واقعية في إدارة الدولة، دون أن يتخلى عن الأخلاق والقيم، وينبغي عليه في بداية حكمه ونشأة الدولة أن يرسخ حكمه، حتى ولو بالقوة؛ إذا دعت الضرورة لذلك، ثم يبدأ بالتخفيف من استخدام القوة بالتدريج؛ حتى يستت له الأمر، فالدولة المستقرة هي التي ترعى العرف رعاية تامة، وتجعل من القانون السيد الأعلى للمجتمع، ولا تضع مكان القانون ومقامه لا ملكة فيلسوفة، ولا غير فيلسوف. 

بينما نجد أن المدرسة المثالية هي التي تركز على شخصية الحاكم، حيث تفترض أن يتوفر لدى الحاكم مجموعة من الخصائص والصفات الأخلاقية؛ كي يستطيع أن يحكم دولته على الوجه الأمثل، فعندما تكون المدينة فاضلة، فستصبح كاملة، وكمالها هذا ينعكس على الأفراد؛ بحيث يبلغ فيه الفرد أعلى مراتب الكمال؛ وتفترض أن الجميع يفكرون بأعدل وسائل التفكير، وينظرون إلى الأمور أدق نظر، ويطيع كل فرد ما تأمر به القوانين، فبدون أن يكون الحاكم فيلسوفة لا يمكن أن تكون المدينة فاضلة، ويسعد بها الناس؛ كون الغايات المنوط بالدولة تحقيقها لا يمكن تجسيدها إلا بوسائل أخلاقية شريفة، وإن أقصر الطرق لتنفيذ مهام الدولة هي السبل الأخلاقية المستقيمة، حيث إن الالتزام الأخلاقي يزيد من قوة الدولة وهيبتها وسلطانها. 

ولتوضيح ذلك بشكل أكبر خلصنا  إلى مجموعة من العناصر التي يمكن أن نفرق بها بين المدرستين المثالية والواقعية وهي كما يأتي: 

1. في المدرسة الواقعية ينبغي أن يكون للحاكم فكر ثاقب وخصب، ولا يستسلم لعواطفه، ولا يتعامل بالنية الحسنة، وطيبة القلب على الدوام؛ بل وفقا لما تقتضيه الضرورة، بينما في المدرسة المثالية ينبغي أن تتصف شخصية الحاكم بمجموعة من الصفات الأخلاقية والمثالية، حيث أن هذه الصفات تزيد من قوة الدولة وهيبتها وسلطانها. 

2. يكون اعتماد الحاكم للسيف في المدرسة المثالية أكثر من القلم عند إنشائه للدولة، وفي أواخر عهدها أيضا، بينما يعتمد الحاكم في المدرسة المثالية على وسائل أخلاقية ومثالية على الدوام، وخاصة عندما يريد تحقيق أهداف الدولة والمجتمع. 

3. في المدرسة الواقعية على الحاكم أن يظهر في عيون شعبه عادلا، حتى وإن لم يكن كذلك، ويستطيع أن يدعم هذه الصورة بكل السبل الممكنة، بينما في المدرسة المثالية يتوجب على الحاكم أن يكون فيلسوفة؛ فإن لم تتوفر فيه هذه الصفة؛ فعليه أن يتفلسف 

4. الحاكم في المدرسة الواقعية يدرك تمام الإدراك إمكانات الشخصية وصفاته النفسية ويتحكم بمشاعره، ويراقب ويدقق أفعاله بشكل جيد، ولديه إدراك كامل عن طبيعة المحيطين به، بناء على معلومات دقيقة، بينما في المدرسة المثالية وجود الدولة وأركانها مرهون بوجود الحاكم الفيلسوف، وبدونه فلن تكون الدولة، والسلطة الحاكمة تستطيع أن تضع قواعد الحكم والسلوك السياسي الصحيح ونظمه، إذا تم انتقاؤها من طبقة عليا من المجتمع، وتعليمها؛ حتى تصبح مستنيرة بنور العلم الخالص، ثم ثعطى وحدها مقاليد الحكم.
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة