U3F1ZWV6ZTIzNTU5OTQyOTc0Njc4X0ZyZWUxNDg2MzY0OTI3Njg4Ng==
اعلان اسفل القائمة الرئيسية

التنمية الإقليمية ، مفهومها ، أهدافها ، استراتيجياتها


التنمية الإقليمية وأهدافها 

بحث عن التنمية الاقليمية doc

مقدمة : 

إن التباين المكاني في مستويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية تعد ظاهرة سائدة في الانظمة الاقتصادية والاجتماعية المختلفة، بسبب تركز معظم الأنشطة في مناطق معينه وقلتها او ندرتها في الأقاليم الأخرى. 

 مما أدى ذلك إلى بروز مشكلة التباين الحاد بين المناطق الأكثر تطورا والأخرى الأقل تطورا ضمن الإقليم أو ضمن أقاليم البلد الواحد. 

إن النشاط الاقتصادي عامه والصناعي خاصة يميل إلى التركز في أقاليم ومناطق محددة استجابة العامل الربحية الاقتصادية، إذ إن توفير اكبر قدر من الأرباح للمستثمر تتحقق غالبا في الموقع الذي تتهيأ فيه كل او معظم مدخلات الإنتاج. 

 فيصبح مثل هذا الموقع جاذبا لكثير من المشاريع الصناعية، فيتحول إلى منطقة تتركز فيها الكثير من المصانع سواء من فرع صناعي واحد، أو إنها تضم تنوعا من تلك الفروع. 

أما المواقع التي لا توفر سوى قدرا ضئيلا من تلك المدخلات فإنها لا تغري المستثمرين على اختيارها كمواقع لأنشطتهم الصناعية، والاهم هو ارتفاع كلف الإنتاج مقارنة بمواقع أخرى، وهذا يعني ضالة الأرباح المتحققة في مثل هذه المواقع، فتتحول إلى مناطق طاردة للنشاط الصناعي. 
إذ يبرز النمو الصناعي الإقليمي بهيأة شكلين اما قطب نمو صناعي وينشأ تاريخيا لتوفر مقومات الإنتاج، وهو ما يعرف بالقطب الطبيعي (Natural Pole)، أو القطب المخطط ( Pinned Pole) الذي ينشأ عن الاستراتيجية الاقتصادية للدولة . 

إن تلقائية النمو الصناعي نجم عنها فوارق إقليمية واضحة (اقتصادية، اجتماعية، عمرانية وخدمية) غير مرغوب فيها سواء بين بلد وأخر او بين إقليم وأخر ضمن البلد الواحد، وربما بين موقع وآخر ضمن الإقليم الواحد. 

كما إن هذه التلقائية قد تجاوزت أو أغفلت اعتبارات أخرى تتعلق بالجانب الأمني "الجيوستراتيجي" في اختيار مواقع النشاط الصناعي لاسيما ما يمكن أن يتعرض له الأمن الوطني إلى مخاطر خلال الازمات والحروب.

مفهوم  التنمية الاقليمية  : 

لكل ذلك جاءت التنمية الإقليمية لتتجاوز تلك الانعكاسات السلبية والمخاطر السالفة الذكر، فالتنمية الإقليمية أسلوب من الأساليب التخطيطية تعتمد على الإقليم أو المنطقة التي تتخذها مكانا لها. 

وقد عرفت بتعاريف كثيرة منها: (صيغة العمل التخطيطية القادرة على وضع الحلول بمعدل كبير للمشاكل والقضايا في المجتمع المعاصر، وانها تستخدم التبرير في الطرق المختلفة، ومشاكل المجتمع يحددها التخطيط الإقليمي والمتمثلة بالمشاكل الاقتصادية، الاجتماعية، العمرانية، السياسية، الثقافية) . 

وعرفت أيضا (إنها الحاجة للتوفيق بين التخطيط الاقتصادي و الاجتماعي والعمراني في جميع المستويات لسد الفجوة الموجودة (Existing Gap) بين تشكيل أهداف تخطيط التنمية وتنفيذها في المستوي الإقليمي والمحلي) . 

وتعرف التنمية الإقليمية أيضا بأنها الإطار التخطيطي الذي يحدد الاتجاهات الرئيسة لكيفية توزيع الموارد المادية والبشرية بين الأقاليم المختلفة بالشكل الذي يضمن تناسب أهداف التنمية الإقليمية مع أهداف التنمية القومية هذه من الناحية النظرية. 

 أما من الناحية العملية فلابد من تحديد أجهزة التخطيط الإقليمي المركزية والمحلية من حيث مهامها وعلاقاتها ببعضها وبالأجهزة التخطيطية القطاعية والمؤسسات التنفيذية المركزية المحلية، لتكون قرارات التنمية مؤثرة مكانيا و اقتصاديا واجتماعيا و عمرانيا . 

يتضح مما سبق أن التنمية الإقليمية عملية تسعى إلى تغيير الأبعاد المادية والمعنوية الهادفة إلى أحداث توازن نسبي بين المناطق المتباينة وتطويرها من حيث المستويات (الاقتصادية، الاجتماعية، العمرانية، الخدمية، الثقافية). 

 مما يسهم ذلك في حل مشكلات التباين الحاصل في مناطق الإقليم الواحد أو أقاليم البلد الواحد، فضلا عن تحقيقها نوع من الرفاه المطلوب لسكان تلك المناطق. 

وعندما توجه التنمية الاقليمية نحو النشاط الاقتصادي بالدرجة الأساس، فتوضع الخطط والسياسات التي من شأنها تحفيز النشاط الاقتصادي عامة والصناعي خاصة في الأقاليم التي تفتقر إليها، فهي بذلك تحاول تحقيق العدالة في توزيع الأنشطة الصناعية بين أقاليم البلد. 

وهذا لا يعني إيقاف النمو والتطور في الأقاليم الفاعلة في صناعاتها، كما إنها لا تعني تحقيق مساواة كاملة بين الأقاليم، لأن مثل هذا الهدف لا يمكن تحقيقه أساسا، بل تعني التنمية الإقليمية بأنها تحفز النشاط الصناعي في الأقاليم الفقيرة وتنميتها إلى أقصى حد ممكن بالإفادة من الامكانات المتاحة في تلك الأقاليم. 

كذلك إن التنمية الإقليمية لا تعني بعثرة الأنشطة الصناعية القائمة، بل تعني خلق مناطق جديدة لتلك الأنشطة في أقاليم تعاني من قلتها وضعف إسهامها في مجمل الأنشطة الاقتصادية والخدمية. 

وان إتباع تنمية إقليمية فاعلة تمكن من تطوير المناطق وتقليل التباين المكاني للتنمية بين الأقاليم عن طريق تخفيض عدد العاطلين عن العمل وإيقاف هجرة السكان غير المخطط والاستغلال الأمثل للموارد المتاحة والكامنة في الإقليم، وإقامة نشاطات اقتصادية فاعلة لاسيما إقامة الصناعات المختلفة. 

 فضلا عن إنشاء البني الارتكازية وتطويرها، والتي تعبر عن جانب من الجوانب الهامة في كفاءة الحيز المكاني وقدراته على جذب الأنشطة الاقتصادية الاجتماعية . 

إن وضع أهداف معينة للتنمية الإقليمية يعتمد بصورة رئيسة على طبيعة النظام الاقتصادي والموارد المتوفرة وحجم مشاكل التنمية المكانية للإقليم، لذلك نجد اختلاف السياسات المتبعة للتنمية الإقليمية بين تهجير الأيدي العاملة أو نقل الاستثمارات (هجرة رؤوس الأموال) اوكلاهما). 

وتختلف هذه السياسات باختلاف الأهداف المراد تحقيقها، إلا إنها تشترك بهدف يتمحور حول معالجة مشكلة التباين المكاني في مستويات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، في حين تبقى الأساليب والإجراءات المتبعة وفاعليتها لتحقيق هذا الهدف مختلفة أيضا من سياسة الاخرى. 

وبالرغم من ذلك تبقى غاية التنمية الإقليمية في تحقيق أهداف ما، والتي توضع حسب موارد وإمكانيات الأقاليم المختلفة ومدی تفاعلها وتكاملها فيما بينها، وعادة ما تتمحور أهم هذه الأهداف بثمة نقاط معينة.

أهداف التنمية الإقليمية: 

تكمن أهمية التنمية الإقليمية بأهمية أهدافها، ولعل من أهمها تحديد توجهات النمو للأقاليم لاسيما التي تعاني من المشاكل المتزايدة الناتجة عن التركز السكاني، والسعي إلى تحقيق التوازن النسبي بين السكان والنشاط الاقتصادي والبيئة

عموما تتمثل أهم أهداف التنمية الإقليمية بما يأتي: 

1- تحقيق أهداف التنمية القومية : 

تعد التنمية الإقليمية إحدى أبعاد التنمية القومية ، وان العمل بالبعد التنموي الإقليمي يؤدي إلى زيادة معدلات النمو القومي، في حين نجد إغفالها يؤدي إلى إضعاف فاعلية التنمية القومية بتحقيق أهدافها المرجوة. 

 لذلك نجد إن التنمية الإقليمية تعد أحدى الركائز الرئيسة للوصول إلى تنمية شاملة و متوازنة بين أقاليم البلد الواحد، وما تسهم به في توزيعها للاستثمارات والانشطة الاقتصادية والاجتماعية التي تجري وفق إمكانات وحاجات الأقاليم المختلفة ومراعاة التوزيع المكاني للسكان و القوى العاملة فيها ، بغية تحقيق تنمية متوازنة وعادلة لكل الأقاليم. 

إذ يمكن من خلالها تحقيق أمرين: الأول (تنمية المناطق الأقل تطورا وحسب الإمكانات المتوفرة) إما الأخر (تحقيق اكبر قدر ممكن من العدالة الاجتماعية ما بين سكان الأقاليم ). 

2- معالجة مشكلة التباين الإقليمي في المستويات الاقتصادية والاجتماعية: 

أدى التباين في المستويات الاقتصادية والاجتماعية في أقاليم البلد الواحد، إلى ضرورة الأخذ بسياسة التنمية الإقليمية بغية تحقيق تنمية إقليمية متوازنة تعالج مشكلة التباين الحاصل في الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية.

 إذ أن إتباع سياسة تنمية إقليمية فاعلة تمكن في تقليص حجم الفروقات بين الأقاليم، من خلال تقليل معدلات البطالة في المناطق التي تكون فيها مرتفعة، وتؤثر على حركة الأيدي العاملة وإيقاف هجرة السكان إلى الأقاليم ويكون ذلك بالاستغلال الأمثل للموارد المتاحة في كل إقليم وإقامة نشاطات اقتصادية فاعلة لاسيما النشاطات الصناعية فضلا عن إصلاح ودعم مستلزمات الحياة الاجتماعية والثقافية والمرافق العامة الأخرى. 

3. السيطرة على المجمعات الحضرية الرئيسة و تخفيف الضغط السكاني: 

إن التوزيع الإقليمي غير السليم للاستثمارات يؤدي إلى التفاوت في مستويات الدخل وظهور مشاكل الإسكان والاكتظاظ السكاني والضغط على البنى الارتكازية في المدن والمراكز الصناعية بسبب 

نموها بشكل غير مخطط على حساب مناطق أخرى، وبالتالي فان زيادة الهجرة من المناطق الأخرى إلى هذه المدن ومن ثم زيادة الضغط على الخدمات الأساسية ستؤدي إلى زيادة المشاكل الاجتماعية مثل (ازدياد معدلات البطالة، تدهور الأحوال الثقافية والصحية)، لذا نجد إن التنمية الإقليمية تعمل على حل تلك المشاكل من خلال تحقيق تنمية متوازنة بين السكان والنشاط الاقتصادي والبيئة على مستوى مناطق الإقليم. 

4. حماية البيئة الطبيعية والبشرية في الأقاليم: 

من بين أهداف التنمية الإقليمية هي الحفاظ على الموارد الطبيعية وشكل الأرض وطبوغرافية المنطقة والموارد التراثية والتاريخية والمناطق الخضراء والقيم الجمالية للطبيعة المكانية قدر الإمكان. 

 فضلا عن حماية الإنسان من النتائج السلبية لتركز الاستثمارات (وفي مقدمتها الاستثمارات الصناعية) في المدن وبالقرب من المراكز الحضرية، لاسيما ما يتعلق الأمر بآثار تلوث البيئة وتشويه جمالية المدينة والتأثير سلبا على حياة الإنسان فيها. 

5. الإسهام في تحقيق الوحدة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية لأقاليم البلد: 

يؤدي التباين الإقليمي في المستويات الاقتصادية والاجتماعية إلى حالة عدم الرضا والتمرد لدى سكان الإقليم التي تتصف بانخفاض مستواها الاقتصادي وازدياد مشاكلها الاجتماعية، رغم وجود الموارد والإمكانات فيها مما يؤثر سلبا على الوحدة السياسية للبلاد.

 لذلك نجد إن انتهاج سياسة فاعلة للتنمية الإقليمية ضمن إطار السياسة القومية يسهم في تحقيق النمو المتوازن اقتصاديا واجتماعيا وبالتالي إسهامها في دعم الوحدة السياسية للبلاد.

غايات التنمية الاقتصادية ضمن التنمية الاقليمية : 

أما غايات التنمية الاقتصادية ضمن السياسة الإقليمية فنجدها تهدف إلى تحقيق ما يأتي: 

1. زيادة القدرات الإنتاجية في الإقليم والبلاد عامة، عن طريق زيادة إسهام الأقاليم الفقيرة مما ينجم عنه زيادة الدخل الإقليمي والقومي. 

2. إقامة مجموعة ناجحة وفاعلة وكفوءة من الصناعات، لاسيما تلك التي توصف بالديناميكية ولها القدرة على إدخال مزيد من التقنيات فيها. 

3. تحسين عملية التنظيم المكاني والإقليمي سواء بين المدينة والريف أو بين الأقاليم المختلفة. 

4. تطوير عمليات التشابك القطاعي بين الأنشطة الاقتصادية والخدمية . 

5. تقليل معدلات البطالة ورفع مستوى الأيدي العاملة، مما يضفي إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للسكان. 

6. تحقيق اللامركزية الاقتصادية على المستوي القومي، أي إن الإقلال من تركيز المشروعات الصناعية في المدن الكبرى وتوزيع الجديد منها على الأقاليم من شأنه أن يدفع التطور الاقتصادي والاجتماعي القومي . 

استراتيجيات التنمية الإقليمية: 

الاستراتيجية مجموعة الأهداف التي تعرضها مرحلة زمنية معينة في مجال مكاني محدد، وتختلف هذه الأهداف في ضوء الحدود الزمنية لمرحلتها التي قد تكون قريبة المدى أو متوسطة المدى أو بعيدة المدي كما تختلف في ضوء اتساع المجال المكاني الذي تم تحديده سواء كان محليا أو إقليميا أو وطنيا أو عالميا.

 وتنقسم استراتيجيات التنمية الإقليمية بصورة رئيسة إلى:

استراتيجية التنمية الإقليمية المتوازنة : 

وجد مبدأ التنمية المتوازنة في نظرية الدفعة الكبيرة (Big Push) لرودان ( Rosentein Roden) في عام 1943، وقد عبر عنها بالدفعة الكبيرة، وذلك لأنها على شكل استثمارات صناعية عالية بالمستوى الأدنى لها، لغرض تجاوز العقبات الاقتصادية وبالتالي تحقيق التنمية . 

إن استراتيجية التنمية الإقليمية المتوازنة تعني التوزيع المكاني للاستثمارات لاسيما الاستثمارات الصناعية ضمن الإقليم و عدم حصرها في مراكز أو مناطق محددة، أي عدم تركز مشاريع التنمية وفي مقدمتها المشاريع الصناعية في مناطق محددة. 

 إذ ان تحقيق تنمية إقليمية متوازنة تتم من خلال التوزيع المكاني للأنشطة الاقتصادية في أماكن متعددة وتوزيع الدخول وتقليل الفوارق الإقليمية بين مستويات التطور الاقتصادي والاجتماعي والعمراني بين الأقاليم أو المناطق المختلفة داخل الإقليم الواحد. 

 لكن نجد فاعلية نموذج النمو المكاني المتوازن تكون ضعيفة في المراحل الأولى بسبب ضعف إمكانية حشد الوفورات الاقتصادية والتكاليف العالية لتطوير البنى التحتية، في حين تكون أكثر قدرة في تحقيق معدلات التنمية الاقتصادية في المراحل اللاحقة . 

 ويتطلب النمو المكاني المتوازن عند اعتماده ما يأتي : 

1. استثمارات كبيرة و قدرة على الاستثمار وتحمل تكاليف عالية لتطوير البني الارتكازية. 

2. القبول بمستويات أو معدلات غير عالية للنمو وبالتالي تحقيق مردودات اقتصادية Economic Revenues)) لعمليات التنمية الإقليمية المحدودة في المراحل الأولى.


تعتمد التنمية الإقليمية المتوازنة على استراتيجية توجيه أو نقل الاستثمارات: لأهميتها في إمكانية الإسهام في التوزيع الإقليمي المتوازن للاستثمارات الصناعية، حيث يتركز مضمونها على تشجيع حركة الصناعة والاستثمارات من خلال توجيهها نحو المناطق الفقيرة إذ يكون الضغط على الموارد بصورة أقل . 

 وتتأثر حركة الصناعة بشكل سريع بمحددات التنمية في الأقاليم القوية وبجذب الحوافز المالية في المناطق الفقيرة. 

إذ تعد الأكثر ملائمة في جعل الأقاليم الطاردة للسكان أقاليم جاذبة من خلال توفير فرص عمل فيها وتشجيع المستثمرين الجدد بالتوجه نحو تلك الأقاليم الفقيرة حيث يتم ذلك بتوقيع استثمارات جديدة في المنطقة أو نقل الاستثمارات إليها. 

 فضلا عن توفير جميع الظروف الملائمة والمحفزة لجذب تلك الاستثمارات إلى المناطق الفقيرة كتطوير البني الارتكازية والخدمات الأساسية العامة . 

عند تطبيق هذه الاستراتيجية فإنها تؤدي إلى استثمار الموارد غير المستغلة سابقا لاسيما الموارد البشرية، بالرغم من تباين الكفاءة الإنتاجية للأيدي العاملة في المناطق الفقيرة التي تتميز معظمها بقلة مهارتها قياسا بالعاملين في الأقاليم المتطورة. 

وإنها عند توفيرها فرص عمل في المناطق الفقيرة وتشغيل العمال من العاطلين غير الراغبين في الهجرة، تؤدي إلى زيادة الناتج الإقليمي والقومي وزيادة الدخول، ما يمثل المنفعة الاقتصادية لها، أما بالنسبة للمنفعة الاجتماعية لهذه الاستراتيجية فتتمثل في تقليص معدلات الهجرة والبطالة ورفع مستويات المعيشة ونمط الحياة الاجتماعية في الإقليم. 

إن إتباع هذه الاستراتيجية يؤدي إلى إيجاد حالة التوازن بين المناطق الفقيرة والمناطق المتطورة، إذ أن الاستفادة من الأيدي العاملة الفائضة تدفع للعمل على تركيز النشاطات الاقتصادية الجديدة في هذه المناطق، وتشجيع أصحاب رؤوس الأموال لتوظيفها فيها لزيادة جاذبيتها إلى النشاطات الاقتصادية وفي مقدمتها النشاط الصناعي. 

 وان الحوافز والمساعدات الحكومية في الدول النامية تؤدي الدور الرئيس في توفير الظروف الملائمة للاستثمارات من اجل دفع عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المناطق القليلة النمو. ورغم تمتعها بمزايا عديدة إلا إن هنالك بعض المآخذ عليها، من بينها التدخل في حرية تحديد المواقع الصناعية وتوجيهها. 

 إذ يؤدي ذلك إلى تدني الكفاءة وانخفاض النمو الاقتصادي القومي، كما أن رأس المال الجديد المستثمر غالبا ما يأتي من خارج المنطقة المعانة مما يولد فائدة كبيرة داخل الإقليم بسبب عائدية مردودات هذا الاستثمار خارج الإقليم فيكون تأثير المضاعف منخفض على الإقليم.

استراتيجية التنمية الإقليمية غير المتوازنة : 

تتحدد الاستراتيجية بما جاءت به نظرية قطب النمو(Growth Pole Theory) من مفاهيم اقتصادية حول التنمية الإقليمية غير المتوازنة، التي نشأت على يد الاقتصادي الفرنسي بيروكس (Franscois Perroux) في عام 1950 الذي اعتقد بأن النمو لا يمكن أن يظهر في كل مكان بمنطقة معينة وبوقت واحد بل يظهر في نقاط أو أقطاب تنمية وبكثافات مختلفة وتتباين انتشارها وتأثيراتها على الحالة الاقتصادية في المنطقة أو الإقليم. 

إن مضمون استراتيجية أقطاب النمو يهدف إلى تركيز الاستثمارات في مناطق محددة لزيادة الإنتاج والعوائد والدخول، إذ تمثل عکس مضمون استراتيجية النمو المتوازن. 

إذ تهتم هذه الاستراتيجية بتركيز عوامل التنمية في عدد محدد من مراكز النمو المختارة التي أما أن تكون موجودة وتعتبر طبيعية، أو يتم إنشاؤها، وتعد في هذه الحالة نقاط نمو اصطناعية من خلال توفير المستلزمات الضرورية المطلوبة لتوزيع الأنشطة الاقتصادية المختلفة وتوفير فرص عمل جديدة وتطوير البني الارتكازية والخدمات والوفورات الخارجية التي تحتاجها التنمية في الإقليم. 

ويمكن في ضوء هذه الاستراتيجية تحديد ثلاثة جوانب تنموية أساسية لها مضامين اقتصادية من جهة ومن جهة أخرى لها مجال أو عمق جغرافي معين وهي: 

أولا: الأثر القيادي للصناعة إذ إن الإنشاءات أو التأسيسات الصناعية الكبرى في منطقة معينة لابد أن يجعل لتلك الصناعة تأثير قيادي كبير على اقتصاد الإقليم من خلال رؤوس الأموال الكبيرة التي تستثمر، ومن خلال الطلب الكبير على الأيدي العاملة، من خلال حاجتها إلى المواد الأولية فضلا عن التأثيرات العرضية الأخرى. 

ثانيا: أثر الصناعة في استقطاب الكثير من النشاطات والجوانب الاقتصادية سواء في داخل الإقليم الذي أنشأت فيه ضمن مجال تأثيرها أو حتى من خارج الإقليم. 

ثالثا: أثر الصناعة الكبير في نشر الكثير من التأثيرات الاقتصادية والاجتماعية والخدمية على مستوى جميع أجزاء منطقة تأثيرها والمناطق الأخرى المحيطة بمكان توقيعها. 

إن المضامين الثلاثة التي تؤطر الفعل والتأثير الاقتصادي والتنموي لنظرية أقطاب النمو تفرض على المخططين للإقليم الأخذ بنظر الاعتبار الحالة الحركية (Dynamic) للنشاط الصناعي الكثيف في منطقة محددة ودوره في استقطاب الإمكانيات التنموية في الإقليم وتركيزها، ثم إنضاج عملية النمو في القطب الرئيس (Main Pole) وعودة التأثيرات إلى أنحاء الإقليم الأخرى من خلال ظهور مراکز تنموية (Growth Centers) ونقاط تنموية جديدة . 

يتضح من هذه الاستراتيجية إن عملية النمو تتحقق نتيجة لمجموعتين من القوى المختلفة، إذ تمارس الأولى: تأثيرات الاستقطاب (Poleraization Effects) حيث استقطاب وحدات اقتصادية أخرى لمركز النمو لوجود وفورات التكتل الاقتصادية والحضرية، مما يؤدي بالنمو الى التركز في بعض المراكز وانحساره في المناطق المحيطة بها. 

أما المجموعة الثانية التي تمارس تأثيرات الانتشار Devisions Effects) إذ يفترض أن تركز الاستثمارات في منطقة معينة سيؤدي إلى ظهور تأثيرات الاستقطاب و تكتل الوفورات الاقتصادية الخارجية في المنطقة التي تم توقيع الاستثمارات فيها في بداية مراحل التنمية. 

 إلا أنه بعد مرور مدة على ظهور عوامل الاستقطاب تبدأ تأثيرات الانتشار بالظهور حيث تؤدي إلى نشر ثمار التنمية من المركز باتجاه المناطق المحيطة به مما تتحقق تنمية تلك المناطق. 

إن قيام الصناعات لاسيما القائدة منها في منطقة معينة تشكل نقطة جذب أو مركز نمو حيث تعتبر الصناعات القائدة النواة الأساسية للتنمية، إذ لها تأثيرات مهمة ومباشرة على الأنشطة الاقتصادية الأخرى في الإقليم، والتي تولد آثار الاستقطاب لوحدات الإنتاج حولها فضلا عن تطوير البني الارتكازية وتوفير الخدمات، مما يعزز مكانتها الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية في الإقليم. 

أما آثار الانتشار أو نشر ثمار التنمية على المناطق المجاورة تكون ضمن مديات زمنية معينة تتحدد بعدد أقطاب أو مراكز النمو في الإقليم.

 وان تطوير قطب التنمية لوجود المناخ الصناعي الملائم في الإقليم يجعل هذه الاستراتيجية تأخذ مداها التطبيقي بحجم اكبر ضمن التنمية الإقليمية وتجاوز عقبات تطبيقاتها في بعض الأقاليم لأسباب المتعلقة بحجم المورد الطبيعي مثلا أو الأيدي العاملة. 

إن أي نمط من أنماط التوطن الصناعي (Industrial Localization Types) يمكن الإسهام في تكوين قطب نمو لاسيما نمط المجمعات الصناعية (Industrial Complex ) التي لها الأثر الواضح في تحقيق ذلك، فعند توفر الظروف المناسبة لمشروع صناعي معين ويحقق مردودات اقتصادية كبيرة يعمل ذلك التوطن على جذب مشاريع صناعية أخرى تستفيد من منتوجات ذلك المشروع أو من مردوداته الاقتصادية والموقعية .

اثر الصناعة في التنمية الإقليمية: 

أما أهمية الصناعة وأثرها في التنمية الإقليمية فإنها تعتبر القاعدة التي يستند عليها التطور الاقتصادي للإقليم وركنا أساسيا من أركان التنمية الاقتصادية على المستوى الإقليمي والقومي. 

 وتعد أيضا العنصر الحاسم في تحقيق التنمية الاقتصادية السريعة وإحداث تغييرات جوهرية في التنمية الإقليمية المعاصرة في الهيكل المكاني للنشاط الصناعي من خلال قدرة العمليات الصناعية المختلفة في تحقيق المتغيرات الهيكلية القطاعية ليس في قطاع الصناعة فحسب وإنما في قطاعات أخرى أيضا، عن طريق التشابكات التي تخلقها تلك العمليات بفروع الأنشطة الاقتصادية الأخرى، التي يعد تطورها أمرا أساسيا في عملية تحقيق أهداف وتوجهات التنمية الاقليمية . 

وبما إن التنمية الاقتصادية ذات أبعاد مركزية وشمولية فان المشكلات التي تبرز أمام العملية التخطيطية في كيفية إنجاز التنمية وتحقيق أهدافها في ظل الموارد المتاحة وتوجه الدولة في دعم النشاط الصناعي. 

فمن أهم تلك المشكلات هي كيف يوزع النشاط الصناعي على مستوى الأقاليم أو مناطق الإقليم الواحد، لأجل النهوض بواقع المناطق الأقل تطورا، وما هو النشاط المناسب لها هذا من ناحية. 

ومن ناحية أخرى الاهتمام بالمناطق المتطورة ضمن محاولة الحد من الهجرة إليها، وتقليل حدة البطالة وتحسين مستوى النشاط الاقتصادي والدخل الفردي لرفع معدلات النمو باعتباره هدفا رئيسيا السياسة التنمية الإقليمية. 

يعد النشاط الصناعي نشاطا محركا لخطط التنمية، إذ له القدرة على دفع عجلة النمو الاقتصادي والاجتماعي بشكل متسارع والعمل على زيادة الأهمية النسبية للقطاع الصناعي في الاقتصاد الوطني. 

إذ يؤدي إلى تغير جذري في الأساليب المستخدمة للإنتاج وعلاقات الإنتاج ويسهم في القضاء على مظاهر غير متطورة ومعالجة الاختلالات الهيكلية عن طريق زيادة حجم الاستثمار الصناعي وتوسيع القاعدة الإنتاجية فيه وتطوير وحدات الإنتاج وتحسينها وبالتالي رفع معدلات النمو الصناعي والإسهام الفاعل في رفع وتائر التنمية الاقتصادية والاجتماعية . 

وللصناعة أثر بارز في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية و البيئية في الإقليم، ويمكن تمثيل هذا الدور من خلال : 

1. البعد الجغرافي في توزيع الصناعات على مناطق الإقليم المختلفة، ومعرفة إلية ذلك التوزيع. 

2. البعد التنموي للصناعة في هيكلية الإقليم الاقتصادية والاجتماعية والعمرانية . 

ويمكن إضافة بعدا آخرا، البعد السلبي للصناعة من خلال ظهور آثارها السلبية سواء كانت (بيئية، اجتماعية، عمرانية، أو حتى الإقتصادية). 

تظل أبعاد الصناعة الايجابية مؤثرة أكثر من إبعادها السلبية لاسيما و أن استغلت بالشكل المناسب الذي يجنبها ذلك. 

إذ نجد للصناعة آثار مختلفة على الإقليم، فعند إنشاء مشروع صناعي جديد سيؤدي إلى تكوين موجة تضاعفية كرد فعل في الاقتصاد المحلي من خلال الطلب على المدخلات الأساسية للعملية الإنتاجية، تنظيم ونقل المخرجات، توليد الدخل، التأثيرات في البيئة العمرانية من خلال تغير التركيب المكاني لها وتوليد التدفقات (Generation of Effluents) لحركة السلع والخدمات، التأثيرات على تركيبة المجتمع وثقافته فضلا عن الأثر البيئي، وفي ما يأتي تفصيل لهذه الآثار في التنمية الإقليمية : 

الأثر الاقتصادي (Economic Impact): 

إن مؤشرات الأثر الاقتصادي للصناعة تظهر من خلال التغيير الحاصل في هيكل الإنتاج والدخل المتحقق للإقليم، وتظهر التأثيرات الناشئة بوضوح بسبب تشغيل المشروع الصناعي من خلال حجم السلع المنتجة وابعاد حركتها المكانية، والأجور والرواتب المدفوعة للعاملين والفوائد والفائض المتولد من العمليات الإنتاجية فضلا عن عوائد الاستثمارات الصناعية المرتفعة. 

 ويمكن أن نوجز تأثيرات الصناعة الاقتصادية في الإقليم بما يأتي: 

1. إسهامها في تطوير الإقليم اقتصاديا وتقليل التباين الحاصل في النمو الاقتصادي بين أجزاء الإقليم أو الأقاليم، حسب معايير (حجم الإنتاج الصناعي، الدخل الفردي والدخل الإقليمي) حيث تسهم بارتفاعها، كذلك تطور عمليات الإنفاق على مستوى الإقليم والأقاليم المجاورة من خلال تحريك عوامل السوق (قوى السوق).

 مما يعني تطور المستوطنات البشرية ومن ثم نمو الأسواق وزيادة سعتها وزيادة الطلب على البضائع . 

2. تساعد على تحريك عوامل الإنتاج وتجعل الاقتصاد الإقليمي أكثر ديناميكية، إذ إن من أسباب إنشاء الصناعات في بعض المناطق وجود عامل من عوامل الإنتاج الذي يسهم في رفد العملية الإنتاجية سيؤدي إلى تحريك عوامل الإنتاج الأخرى في الإقليم. 

3. تكون الصناعة اقتصادا متنوعا للإقليم إذ تحقق ضمانا أكيدا لتقوية الأسس الاقتصادية وتعزز حالة الاكتفاء الذاتي وتقلل من عملية الاستيراد عن طريق إحلال منتوجات الصناعة المحلية محل المنتوجات المستوردة من الخارج. 

4. تأثير الصناعة المباشر في القطاعات الاقتصادية والأنشطة الأخرى لاسيما في النشاط الزراعي والتجاري والخدمات والبني الارتكازية، حيث سنجدها تتوسع اثر ذلك في الإقليم. كأثر التصنيع في تطوير القطاع الزراعي من خلال التوسع باستخدام نظام المكننة في الزراعة واستخدام الأسمدة والمبيدات، كذلك أجهزة الري تتطلب صناعة متطورة قادرة على تجهيز هذا القطاع وسد متطلباته باستمرار. 

5. ويتحدد التأثير الاقتصادي للصناعة أيضا من خلال: 

أ- الأساس الاقتصادي (Economic Base): إن النشاط الأساسي يجلب دخلا للإقليم من خارجه، إذ يعد مصدر مهم جدا لزيادة الدخل وثراء الإقليم.. أما النشاط غير الأساسي الذي يخدم سكان الإقليم لا يضيف مردودا أو دخلا إضافيا، أن الصناعة بإنتاجها سلعا وخدمات السكان الإقليم وخارجه فهي تضيف دخلا وثروة لهم، مع ملاحظة وجود فوارق بين الاقتصاد المركزي والخاص. 

ب- توزيع الدخل (Incom Distribution): إن الصناعة تسهم في إعادة توزيع الدخل بين أفراد وجماعات السكان لكثرة الجهات المستفيدة من الإنفاق على مستلزمات النشاط الصناعي مثل (شراء المواد الأولية، أجور النقل، أجور العمل، مصادر الطاقة، توزيع الإنتاج،...). 

ج- الإنتاج الكبير (Mass Production): حيث يتميز الإنتاج الصناعي عن الإنتاج في فروع الاقتصاد القومي الأخرى بكمياته الكبيرة، مما يمكنه على النمو والتطور السريع فضلا عن كونه يعد أهم مجال من مجالات إنتاج السلع المادية والخدمات حيث تنتج فيه أدوات الإنتاج كافة والقسم الكبير من مواد العمل والسلع الاستهلاكية(1) 

الأثر الاجتماعي (Social Impact): 

تظهر جوانب الأثر الاجتماعي من إدراك حقيقة معروفة بان الصناعة عملية تغيير في النمط الاجتماعي والاقتصادي والحضاري للإقليم، ذلك لما تسببه من تغيير في هيكل الأيدي العاملة و المهارة وتركيب المهن والنشاط الاقتصادي .

فضلا عن التغيير في السلوك البشري، حيث إن الأفعال الاجتماعية المتولدة بسبب النشاط الصناعي الجديد ستكون نمطا جديدا من العلاقات ذات نتائج تختلف عن نمط المجتمع السابق، مما يعني حدوث تغيير في التركيب الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية ضمن مستويات العمل و المناطق السكنية للعاملين نتيجة التغيير في السلوك البشري . 

وتتحدد الآثار الاجتماعية للنشاط الصناعي ابتداءا بتشغيل الأيدي العاطلة مما يؤدي إلى تطويرها اجتماعيا برفع مستويات المعيشة والدخول و نمط الحياة الاجتماعية بما فيها العلاقات الاجتماعية . 

وللصناعة أثر في تطوير السكان في الإقليم ثقافيا واجتماعيا، وتوزيع السكان بشكل متوازن ضمن المناطق والأقاليم، لاسيما معالجة ظاهرة الاكتظاظ السكاني في المدينة الرئيسة للإقليم(عاصمة الإقليم) والتي يعبر عنها بالمدينة المهيمنة (Primate city) وتحقيق نوع من الرتبية المتوازنة بين المستوطنات البشرية ضمن الإقليم، وتسهم الصناعة أيضا في تطوير الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية والترفيهية وخدمات الإسكان والأسواق...،

 ويتضح أثر الصناعة في عملية التغير الاجتماعي في جوانب عديدة منها : 

1. الأسرة (Household) حيث التحول من أسر متعددة إلى مستقلة، نتيجة التطورات التكنولوجية والمادية التي رافقت تطور الصناعة وتنوعها. 

2. المؤسسات الثقافية والتعليمية المتعلقة باطياف التنظيم والقيم المتبلورة حول المفاهيم والنظم فضلا عن أثر النشاط الصناعي في زيادة معدلات التحضر (Urbanization) حيث يرتبطان بعلاقة وثيقة يؤثر احدهما بالآخر. 

في حين إن الآثار السليبة للصناعة تتمثل بما يحصل من تشويه في النمو العمراني حيث التوسع المفرط في حجومها مما يؤدي إلى زيادة كبيرة في نسبة السكان الحضر إلى مجموع السكان الكلي للإقليم، والهجرة إلى مناطق الصناعة مما قد يحدث تفاوتا في مستوى التطور الاقتصادي والاجتماعي والاستقرار السكاني بين المناطق والأقاليم. 

 ويمكن أن نجمل الآثار السلبية لهذه الظاهرة بما يأتي: 

1. اختلال التوازن بين فروع الإنتاج المختلفة والخدمات بسبب تركز العاملين في قطاع الصناعة وعند ازدياد هذا التركز يتبعه زيادة في عدد العاملين في الخدمات الملحقة بها، ويعالج هذا الأمر تخطيطا بتحديد مواقع الصناعة بالقرب من المستوطنات البشرية 

2. ضعف الطاقة البشرية في المناطق الريفية بسبب هجرة الشباب إلى مناطق الصناعة، مما يعني تعرض مساحات شاسعة دون زراعة، لكن بالإمكان معالجة الأمر بإدخال التكنولوجيا والأساليب الحديثة التي تعوض عن قلة الأيدي العاملة في النشاط الزراعي. 

3. ضعف الروابط الاجتماعية وانتشار بعض الظواهر السيئة. 

4. نقص الخدمات الإسكانية والصحية والتعليمية والنقل...، لاسيما في المناطق التي ترتفع فيها معدلات الهجرة، لذلك عند بناء مشروع صناعي لابد أن يكون متكاملا من حيث مستلزمات الإنتاج والخدمات. 

5. التأثير على النتائج الديموغرافية، إذ هجرة الشباب تؤثر على شكل الهرم السكاني والوظيفي فضلا عن التأثيرات الثقافية للمناطق المهاجر إليها، لذلك لابد ان تكون الهجرة مخططة وليس تلقائية لتلافي تلك التأثيرات. 

الأثر العمراني (Building Impact): 

يظهر أثر المشاريع الصناعية في تطوير الإقليم عمرانيا من حيث ارتفاع المستوى الاقتصادي والاجتماعي لسكان الإقليم (توفير فرص عمل، زيادة دخل الفرد، نمو حركة الزراعة والتجارة...) وتطور احتياجات النشاط الصناعي من الخدمات المختلفة. 

 كما جاء في دراسة (بيتر وركز) ان هناك تسع خدمات يمكن أن تستخدمها المنتجات الصناعية يوميا كخدمات النقل، المصارف، الأمن، البورصة، معالجة البيانات، العقود والاتفاقات، التصرف بالنفايات، الإعلانات، الطباعة والتصوير فضلا عن خدمات أخرى هامة: مثل أعمال التأمين، المحاسبات، الاستشارات القانونية . 

كذلك ما توفره الصناعات الإنشائية من المواد الأساسية للبناء والأعمار. ونجد سبب حاجة النشاط الصناعي إلى أعداد كبيرة من العاملين يسهم في التوسع الحضري للمدينة وللإقليم من خلال التوسع بإنشاء أحياء سكنية جديدة لاسيما التي تكون قريبة من المشاريع الصناعية الكبيرة، وضرورة توفير لهذه الأحياء السكنية خدمات البني الأساسية (الماء، الكهرباء،...) والخدمات العامة (النقل، الصحة، التعليم....)، ينتج توسعا عمرانيا وخدميا واسعا في مناطق الإقليم المختلفة. 

 لكن إذا لم يخطط لهذا التوسع مسبقا سيفرز تأثيرا سلبيا على المظهر الإقليمي والمستوى القومي من خلال نمو المدن غير المنتظم، وظهور مشكلات تعاني منها المدن نتيجة لتركز النشاط فيها و استقطاب السكان من المدن الأخرى مما يؤدي إلى تدهور (الهيكل المكاني) وظهور التباين في مستويات التنمية بين الأقاليم والمناطق المختلفة في البلد وبين المدن الكبيرة والصغيرة ضمن الأقاليم . 

 نتيجة حالة الاستقطاب التي يمارسها النشاط الاقتصادي في المدن الكبيرة على حساب المدن الصغيرة، هذه من ناحية ومن ناحية أخرى الطلب على استعمالات الأرض المختلفة في المدن الكبيرة دون تنظيم مسبق لهذه الاستعمالات مما يؤدي إلى تدهور استعمالات الأرض و تشابكها لأغراض النشاط الاقتصادي مع الأغراض الأخرى للنشاط البشري ( تجاري، سكني،...)

 فضلا عن ظهور الأحياء السكنية المتهرئة سواء في المراكز القديمة للمدن أو في أطرافها. 

ويتحدد تأثير الصناعة على الجانب العمراني للإقليم بجانبين رئيسيين (الإسكان والنقل) : 

1. الإسكان: 

إن إنشاء مشاريع صناعية كبيرة يتطلب إيجاد مجمعات سكنية للعاملين وتكون أحجامها وعدد الوحدات السكنية فيها حسب عدد العاملين في تلك المشاريع، إذ تظهر الحاجة إلى السكن لاسيما عندما تكون المشاريع بعيدة عن المدن. 

 وعادة ما تكون هذه المجمعات السكن العاملين من مناطق أخرى وليس العاملين من أهل المنطقة. وفي حالة قرب المشاريع الصناعية من المدن يمكن استغلال الأحياء السكنية فيها مما يؤدي إلى توسعها وتطور الخدمات فيها حيث يسهم ذلك في النمو العمراني. 

 فضلا عن ديناميكية سوق الإقليم زيادة العرض والطلب) الناتج من تحسن مستويات المعيشة وارتفاع الدخول مما يؤدي إلى التوسع العمراني في الإقليم. 

2. النقل: 

إن شبكة النقل في الإقليم تمثل الشرايين الحيوية للأنشطة الاقتصادية والاجتماعية والخدمية والعمرانية، وتأخذ أنماطا مختلفة وفقا لطبيعة انتشار وتوزيع المستوطنات البشرية والاستثمارات الصناعية وجوانب الاستثمار الأخرى (الخدمية، السياحية، الثقافية، الإنتاج الزراعي). 

إن التوقيع الصناعي ضمن الإقليم يؤدي إلى إنشاء شبكات الطرق التي تربط مواقع المشاريع الصناعية بالأسواق وبمناطق سكن العاملين، كما تمتد إلى مصادر المواد الأولية إذ كانت قريبة نسبيا من موقعها. 

 مما يؤدي إلى تحسين شبكة النقل الحالية ضمن الإقليم وارتباطاتها بالأقاليم المجاورة، لذلك نجد إن النشاط الصناعي يسهم في توسيع شبكة النقل وتطويرها في الإقليم. حيث لشبكة النقل أثر كبير في التوزيع العادل للاستثمارات والتوزيع المتوازن للسكان وللأنشطة الاقتصادية والعمرانية بين مناطق الإقليم، مما يساعد ذلك على تحقيق تنمية إقليمية شاملة . 

الأثر البيئي (Environmental Impact): 

تعرف البيئة بانها ذلك الجزء من العالم الذي يؤثر فيه الإنسان ويتأثر به، أي ذلك الجزء الذي يستخدمه ويستغله ويؤثر فيه ويتكيف له)، ومنهم من توسع في مفهوم البيئة ليشمل فضلا عن الماء والهواء والتربة، رصيد الموارد المادية والاجتماعية في زمان ما وفي مكان ما لإشباع حاجات الإنسان وتطلعاته . 

أما التلوث البيئي فيعرف بأنه حدوث تغير أو خلل في العناصر المكونة للنظام البيئي بحيث يؤثر على فاعلية هذا النظام، ويفقد القدرة على أداء دوره الطبيعي في التخلص من الملوثات لاسيما العضوية منها بالعمليات الطبيعية ، نستخلص إن التلوث يحدث عند حصول تغير غير مرغوب فيه العناصر البيئة الطبيعية (هواء، ماء، تربة) والتي تؤثر في حياة الإنسان والحيوان والنبات بصورة مباشرة أو غير مباشرة. 

إن للنشاط الصناعي تأثيرا سلبيا على البيئة الطبيعية والبشرية فضلا عن آثاره الايجابية التي سبق ذكرها)، لما تسببه بعض الصناعات من تلوث بيئي ناتج من الغازات والأبخرة والأتربة والرذاذ المنبعث منها. 

 كذلك من المواد الصلبة والدهون والأصباغ والحوامض التي تذهب عن طريق المنافذ التصريفية إلى الأنهار والمناطق المجاورة للمشاريع الصناعية. 

 فضلا عن أثر الضجيج والضوضاء الذي تحدثه بعض الصناعات للعاملين فيها وللمناطق السكنية والعمرانية المجاورة. كما هنالك صناعات تحدث تغيرا في شكل الأرض كالصناعات الإنشائية والاستخراجية مما يؤثر سلبا على جمالية الأرض وشكلها الطبيعية. 

يتحدد تأثير التلوث بمستويات مختلفة يحددها نوع الأنشطة الصناعية حيث ترتبط بها ارتباطا مباشرة، ويأتي هذا أثر الاعتبارات التخطيطية المكانية عند توقيع الصناعات لاسيما الصناعات الملوثة. 

 فالصناعات البتروكيمياوية والكيماوية يكون تأثير تلوثها البيئي مختلفا عن الصناعات الغذائية والنسيجية. وهناك إجراءات وأساليب تخفف أو تقضي على هذه المشكلة وأثرها على حياة الإنسان و الكائنات الحية الأخرى بسبب العمليات الصناعية، حيث يبرز أثر المخطط في هذه المعالجة . 

ومن الضروري حماية حياة الإنسان والمحافظة على طبيعة العلاقات السائدة. كما أشار إليها ديفيد سميث ( D . Smith) وفق أنظمة معينة ومرتبطة بالخصائص الطبيعية للبيئة كالطوبوغرافية والتربة والماء،.. لاسيما وإن هذه الأنظمة لها مساس مباشر على النشاطات البشرية في الإقليم. 

وان النشاط الصناعي قد يؤثر على هذه الأنظمة من خلال تلوث البيئي، فمن الأفضل أن يكون موقع النشاط الصناعي في المكان أو الموقع الذي يحافظ فيه على التوازن البيئي والعلاقات بين عناصر البيئة، لذلك يبرز أثر الاعتبارات البيئية في تحديد موقع النشاط الصناعي وطبيعة نمطه في الإقليم، لتلافي أثار التلوث البيئي لمواقع الصناعة والحيلولة دون عرقلة برنامج التنمية الإقليمية عن طريق نمو الصناعة وتطورها في الإقليم.
تعليقات
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق

إرسال تعليق

الاسمبريد إلكترونيرسالة